إبراهيم بن علي الحصري القيرواني

78

زهر الآداب وثمر الألباب

إذا المشكلات تصدّين لي كشفت حقائقها بالنّظر وإن برقت في مخيل الصوا ب عمياء لا تجتليها الذكر « 1 » مقنعة بأمور الغيوب وضعت عليها صحيح الفكر لسانا كشقشقة الأرحبىّ أو كالحسام اليماني الذّكر « 2 » وقلبا إذا استنطقته العيون أمرّ عليها بواهى الدرر « 3 » ولست بإمّعة في الرّجال أسائل عن ذا وذا ما الخبر « 4 » ولكنني ذرب الأصغرين أبيّن مع ما مضى ما غبر « 5 » [ وصف ضرار الصدائي لمعاوية عليا ] وقال معاوية رضي اللَّه عنه لضرار الصّدائى : يا ضرار ، صف لي عليّا ، فقال : أعفني يا أمير المؤمنين ، قال : لتصفنه ، فقال : أما إذ أذنت فلا بدّ من صفته : كان واللَّه بعيد المدى ، شديد القوى ، يقول فصلا « 6 » ، ويحكم عدلا ، يتفجّر العلم من جوانبه ، وتنطق الحكمة من نواحيه ، يستوحش من الدنيا وزهرتها ، ويستأنس بالليل وظلمته ، كان واللَّه غزير الدّمعة ، طويل الفكرة ، يقلب كفّه ، ويخاطب نفسه ، يعجبه من اللَّباس ما قصر ، ومن الطعام ما خشن ، وكان فينا كأحدنا ، يجيبنا إذا سألناه ، وينبئنا إذا استنبأناه ، ونحن - مع تقريبه إيّانا ، وقربه منا - لا نكاد نكلمه لهيبته ، ولا نبتدئه لعظمته ، يعظم أهل الدين ، ويحبّ المساكين ، لا يطمع القوىّ في باطله ، ولا ييأس الضعيف من عدله ، وأشهد لقد رأيته في بعض مواقفه ، وقد أرخى الليل سدوله ، وغارت نجومه ، وقد مثل في محرابه ، قابضا على لحيته يتململ تململ السليم « 7 » ، ويبكى بكاء الحزين ، ويقول : يا دنيا إليك

--> « 1 » مخيل : مظنون ، وهو السحاب تخاله ماطرا لرعده وبرقه . « 2 » الأرحبي : الجمل ، وشقشقته : هديره . « 3 » نسخة « استنطقته الغيوب » ( م ) « 4 » الإمعة : الرجل الذي لا خطر له - فهو يكون تابعا لغيره ولا يكون مستقلا ( م ) « 5 » ذرب الأصغرين : حديد القلب واللسان « 6 » القول الفصل : هو الحق « 7 » السليم : الملدوغ ، سمى بذلك تفاؤلا .